ابن كثير

249

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

ليستكملوا نصيبهم في دار كرامتي سالما موفرا لم تكلمه الدنيا ، واعلم أنه لا يتزين لي العباد بزينة هي أبلغ فيما عندي من الزهد في الدنيا ، فإنها زينة المتقين عليهم منها لباس يعرفون به من السكينة والخشوع ، وسيماهم في وجوههم من أثر السجود ، أولئك أوليائي حقا حقا ، فإذا لقيتهم فاخفض لهم جناحك وذلل قلبك ولسانك . وأعلم أنه من أهان لي وليا أو أخافه فقد بارزني بالمحاربة وبادأني وعرض لي نفسه ودعاني إليها ، وأنا أسرع شيء إلى نصرة أوليائي ، أفيظن الذي يحاربني أن يقوم لي ، أم يظن الذي يعاديني أن يعجزني ، أم يظن الذي يبارزني أن يسبقني أو يفوتني ، وكيف وأنا الثائر لهم في الدنيا والآخرة لا أكل نصرتهم إلى غيري ، رواه ابن أبي حاتم . قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي هذا سؤال من موسى عليه السلام لربه عز وجل أن يشرح له صدره فيما بعثه به ، فإنه قد أمره بأمر عظيم وخطب جسيم ، بعثه إلى أعظم ملك على وجه الأرض إذ ذاك وأجبرهم وأشدهم كفرا ، وأكثرهم جنودا ، وأعمرهم ملكا ، وأطغاهم وأبلغهم تمردا ، بلغ من أمره أن ادعى أنه لا يعرف اللّه ، ولا يعلم لرعاياه إلها غيره ، هذا وقد مكث موسى في داره مدة وليدا عندهم في حجر فرعون على فراشه ، ثم قتل منهم نفسا فخافهم أن يقتلوه ، فهرب منهم هذه المدة بكمالها ، ثم بعد هذا بعثه ربه عز وجل إليهم نذيرا يدعوهم إلى اللّه عز وجل أن يعبدوه وحده لا شريك له ، ولهذا قال : رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي أي إن لم تكن أنت عوني ونصيري وعضدي وظهيري ، وإلا فلا طاقة لي بذلك وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي وذلك لما كان أصابه ، من اللثغ حين عرض عليه التمرة والجمرة ، فأخذ الجمرة فوضعها على لسانه ، كما سيأتي بيانه ، وما سأل أن يزول ذلك بالكلية ، بل بحيث يزول العي ، ويحصل لهم فهم ما يريد منه وهو قدر الحاجة ، ولو سأل الجميع لزال ، ولكن الأنبياء لا يسألون إلا بحسب الحاجة ، ولهذا بقيت بقية ، قال اللّه تعالى إخبارا عن فرعون أنه قال : أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكادُ يُبِينُ [ الزخرف : 52 ] أي يفصح بالكلام . وقال الحسن البصري وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي قال : حل عقدة واحدة . ولو سأل أكثر من ذلك أعطي . وقال ابن عباس : شكا موسى إلى ربه ما يتخوف من آل فرعون في القتيل وعقدة لسانه ، فإنه كان في لسانه عقدة تمنعه من كثير من الكلام ، وسأل ربه أن يعينه بأخيه هارون يكون له ردءا ويتكلم عنه بكثير مما لا يفصح به لسانه ، فآتاه سؤله فحل عقدة من لسانه . وقال ابن أبي حاتم : ذكر عن عمرو بن عثمان ، حدثنا بقية عن أرطأة بن المنذر ، حدثني بعض أصحاب محمد بن كعب عنه قال : أتاه ذو قرابة له : فقال له : ما بك بأس لولا أنك تلحن في كلامك ، ولست تعرب في قراءتك ، فقال القرظي : يا ابن أخي ألست أفهمك إذا حدثتك ؟ قال : نعم . قال : فإن موسى عليه السلام إنما سأل ربه أن يحلّ عقدة من لسانه كي يفقه بنو إسرائيل كلامه ، ولم يزد عليها ، هذا لفظه .